ابن قيم الجوزية

415

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ، ويفوض الأمر إلى صاحبه ، من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه . بخلاف التوكل . فإن الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكل . فالتفويض : براءة وخروج من الحول والقوة ، وتسليم الأمر كله إلى مالكه . فيقال : وكذلك التوكل أيضا . وما قدحتم به في التوكل يرد عليكم نظيره في التفويض سواء . فإنك كيف تفوض شيئا لا تملكه البتة إلى مالكه ؟ وهل يصح أن يفوض واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه ؟ فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل . بل لو قال قائل : التوكل فوق التفويض ، وأجل منه وأرفع ، لكان مصيبا . ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا ، وإخبارا عن خاصة اللّه وأوليائه ، وصفوة المؤمنين ، بأن حالهم التوكل . وأمر اللّه به رسوله في أربعة مواضع من كتابه « 1 » ، وسماه « المتوكّل » كما في « صحيح البخاري » عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال : « قرأت في التوراة صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم محمد رسول اللّه ، سمّيته المتوكل ، ليس بفظّ ، ولا غليظ ، ولا سخّاب بالأسواق » . وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل . وبه انتصروا على قومهم . وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب « أنهم أهل مقام التوكل » . ولم يجئ التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [ غافر : 44 ] وقد أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يتخذه وكيلا . فقال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ( 9 ) [ المزمّل : 9 ] . وهذا يبطل قول من قال من جهلة القوم : إن توكيل الرب فيه جسارة على الباري . لأن التوكل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكل . وذلك عين الجسارة . قال : ولولا أن اللّه أباح ذلك وندب إليه : لما جاز للعبد تعاطيه . وهذا من أعظم الجهل . فإن اتخاذه وكيلا هو محض العبودية . وخالص التوحيد ، إذا قام به صاحبه حقيقة . وللّه در سيد القوم ، وشيخ الطائفة سهل بن عبد اللّه التستري . إذ يقول : العلم كله باب من التعبد . والتعبد كله باب من الورع . والورع كله باب من الزهد ، والزهد كله باب من التوكل . فالذي نذهب إليه : أن التوكل أوسع من التفويض ، وأعلى وأرفع . * * *

--> ( 1 ) بل أكثر من ذلك . قال اللّه تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] وقال : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ النساء : 81 ] وقال : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] وقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) [ الشعراء : 217 ] وقال : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [ النمل : 79 ] وقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 3 ] وقال : وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 18 ] وقال : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 123 ] وقال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [ الفرقان : 58 ] .